
في أحد الايام كنت اسمع فالشعر كعادتي وكنت اسمع للشاعر الفلسطيني غازي الجمل قصيدته في العراق: قف شامخا مثل المآذن طولا ..وارسل رصاصك وابلا سجيلا
ولعله هيض عروبتي وأيقض الحماسة في صدري وإذا بي ارى الفيديو تلو الأخر حتى وصلت لشاعر العرب الجواهري و لم اكن اعلم عنه شيئا الا اسمه وسمعت له قصيدة طويلة مبكية يتكلم فيها عن العراق واصفا حالها يقول في مطلعها :
لم يبقَ عنديَ ما يبتزّهُ الألمُ..حسبي من الموحشاتِ الهمُّ والهرمُ
لم يبقَ عندي كفاءَ الحادثاتِ أسى..ولا كفاءَ جراحاتٍ تضجُّ دمُ
وحينَ تطغَى على الحرَّان جمرتُهُ..فالصمتُ أفضلُ ما يُطوَى عليهِ فمُ
وصابرينَ على البلوى يراودهُمْ..في أن تضمَّهُمُ أوطانُهم حلمُ
تذكَّروا عهدَ بلفورٍ فقلتُ لهمْ..ما تستجِدُّونَهُ عهدِي بهِ القِدَمُ
مِن قَبلِ سِتِّينَ من خَزيانِ مَولِدِهِ..أقمتُ مأتمَ أرضٍ قُدسُها حَرَمُ
فلما رأيتني اقبلت إليه قلبا وقالبا ألفيتني وضبت أغراضي وذهبت أبحث عن عراقي أمامي لخمد ما أوقض فيني شاعرهم ، وكنت أجلس مع أحد المرضى حينها فالمشفى الذي اعمل فيه عراقي الجنسية ورحت أحاول نبش شي من جراحهم لعلي أستفز أجمل ما فيه فبدأت معه بقصائد كريم العراقي الغزلية اردت استفزازه بعدما ذكرت العراق وجراحها وكان، فاذا به يقول بنبرة قويه: كريم !! عيب يا بنتي كريم هذا الحثالة من شعراء العراق الفصيحين (ولم يقصد الاساءة بالحثالة اذ كان يقصد انه ما تبقى من كبارهم الا صغارهم ومنهم كريم) ولكن إليكي بعبد الرزاق عبدالواحد وشيخه الجواهري على شرط ان نتحدث بعدها وكأنه أشفى غليلي على الرغم من اني كنت ارغب بأن يسهب فالحديث ولكن لم يفعل كي لا أحكم عليه بالعصبة فأشرت موافقة وليتني لم استفزه لأني وجدتني في بحر عميق غزير ما بين الجواهري وتلميذه عبدالرزاق عبدالواحد وتاثرهم بالمتنبي وأشعاره وكيف لا وهم والله من شعار العرب الكبار.
لم يكن من الغريب لغة الجواهري الصرف اذ نشأ في عائلة ادبية ودينية أبوه كان شيخ وعالم كبير وقد عود ابنه على الحفظ والدين فتسنت له الفرص وفتحت أبوابها فهو مثل ما ذاق الويلات في وطنه ذاق طعم الرخاء فيها فقربه الملك فيصل منه قربا شديدا حتى انه كان لا يستأذنه فالدخول اليه ولكنه لم يلبث ان استقال من البلاط الملكي كي يشتغل فالصحافة، أي رجل هذا الذي لم يستخدم وجوده فالبلاط الملكي جسرا له للصحافة ولو كان لذاع صيته بأسط الطرق، وعند موت أمير الشعراء أحمد شوقي أرسل قصائده لطه حسين ليكون له لقب الامارة من بعده وكان من منتقديه وقد لقب بشاعر العرب الاكبر ، بيد أنهم الاثنين ذاقو ويلات المنفى والغربة وعاصروا احتلال أوطانهم لسان حالهم لسان حال الخزاعي بعد ما انقرضت خزاعة يمشي ويتغنى (كانت خزاعة ملئ الارض ما اتسعت..فقص مر الليالي من حواشيها)
الجواهري حياته مليئة ولا زلت لا أعلم الا قطرة في بحره عاصر أكثر من ملك وأكثر من حكومة ووقامت الثروات والانقلابات في عهده وهو قوي صلب شجاع في وجه النائبات لا يهاب الموت حتى انه القى قصيدته الشهيرة أمام حفل تكريم صاحبه الوتري بوجود الوزراء وهجاهم هجاء وهو يشير بأصبعه عليهم وعلى نوري السعيد خاصة ويقول
نبئت أنك لست تبرح سائلا عني..وتناشد ذاهبا وآيبا وتقول
كيف نجم ثاقب ملئ العيون..عن المحافل غائبا
أنا ذا أمامك شامخا متجبرا..أطأ الطغاة بشسع نعلي عازما
خرج الجواهري من الحفل وباع مكتبته تحسبا ولانه يعرف أن شعره كان شديد الوطأة على نوري السعيد فتركه يومان الى ثلاثة يتنفس الصعداء وسُجن، بالرغم من أنه كان صديق نوري السعيد من قبل وكان يقول الشعر مادحا اياه.
فالواقع تعجبت كثيرا من شجاعة الجواهري وتلميذه عبدالرزاق كانت لديهم أنفة ومفاخرة لأنفسهم وقبائلهم وأوطانهم حتى ولو كانوا على خطأ وأكثر ما تسمع في حديثهم عن أعمالهم فتجدهم يصفونها بالعظيمة والكبيرة والمثيرة وما الى ذلك وفكرة تعظيم الانسان وعمله حالهم حال من سبقهم من العرب في عزة النفس والشجاعة والمفاخرة والتلون ولهم في المتنبي أسوة ومن سبقهم فالجاهلية، ولكن أنا والله أخذني التفكير مأخذ فإذا بي أسشتعر شعور الوليد بن المغيرة عندما كان يسترق السمع الى رسول الله وهو يتلو من آيات الله والوليد كان من سادة قريش ومن أشعر الناس ذا الجاه والمال والأبناء فلك أن تتخيل مدى الخيلاء والتعجرف والنرجسية التي يمكن ان يصل لها هذا العربي أضعاف المتنبي والجواهري وتلميذه وغيرهم كثير ممن أتوا من بعده، فلما سمع الذكر الحكيم تصاغر وتقازم وقال: ( ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة وان اعلاه لمثمر وان اسفله لمغدق وانه ليعلو ولا يعلى عليه وما يقول هذا بشر) ولكن هل عزة نفسه سمحت له بالاعتراف أمام الله وخلقه ؟ لا ولكن أخذته العزة بالاثم وأنكر وجحد وقال أنه لقول شاعر وساحر ووصف الرسول بالجنون وهو يعلم انه رسول الله فنزلت سورة (ذرني ومن خلقت وحيدا)،
وللحديث بقية ولو أسهبت لن أنتهي لنبقى على سياق الحديث ولا نتفرع فالمواضيع فيحدث التشتت 🌚

أضف تعليق