
كلما عزمت على الكتابة عن أمي وأبي كلما عجزت عن الكتابة عنهما تنعقد اللسان بالكلمات وتختلج العين بالعبرات وتحار الصدور من أين تبدأ!
والدتي قرة العين سبعينية العمر، تتسم بالهدوء حتى أنك لا تسمع منها إلا همسا، هي ملجأ كل من حار في أمره من أهل البيت وأحتاج الى المشورة لِما اوتيت من سداد الرأي والحكمة والحزم، لم أعهد القسوة ديدنها فالتربية ولكنها حازمة شديدة بكل ما يتعلق بالدين والاخلاق، أمية ولكنها علمتني مالم تعلمنيه المدارس والجامعات علمتني الصبر والجَلَد فالحياة وفي المرض ففي فترة مرضي كنت أستمد قوتي منها، علمتني أن أترفع عن كل ما يدنس ويشوب مبادئي علمتني أن “إرضاء الناس غاية لا تدرك وأن أفواه الناس لا تغلق”، وأن أتخذ الحيادية في كل الامور الا الحق علمتني أن أقف مع الحق في وجه الباطل، علمتني عزة النفس لاني مذ خلقت على الحياة وانا أراها عزيزة لا تذِل ولا تُذَل، تدعوني أمي “عصاي” لانها تستغني عن عصاها وتتوكأ علي وهذا لعمري أطرب إسم دُعيت به.
والدي مرهف الحس، وقور النفس، فاكهة المجالس، وكبير القوم في قبيلته، بلغ الثمانين ونيّف عاصر الحربين والثورات، عاصر الاتحاد وقيام العمران والحضارات، جرب قرصة الفقر إبان الحرب العالمية، اذ كانت تمر الليلة والاخرى لا يجدون ما يسد رمق جوعهم هو وأخوته، ومن وقتها سعى أبي وكابد حتى لا تجوع عائلته، كان يبيع الأقمشة يلفها بخرقة كبيرة ويجول بين البيوت ويعرضها على النساء وطفق يعمل في كل مجال، فتولاه الله برحمته هذا الفتى الذي ما فتأ يعمل ويسعى يطلب رزق الله فأغدق الله عليه من فضله وامتلأ الجيب وأيسر الحال، فتعهد مسؤولية عوائل عدة وإلى يومنا هذا عهدته يسقي الجائع ويكسي العاري، كريم النفس اذا أكل أهل بيته وضيفه شَبِع واذا دفئوا دفىء، وفي هذا يقول الدكتور عبدالرزاق السنهوري” وان شيئا يشترك فالعظماء: حياة الشظف والفاقة التي عاشوها أول حياتهم، فنفخت في اخلاقهم روح الصلابة، فاذاقوا الحياة بأسهم بعد ان اذاقتها بأسها”، نعم أبي أذاق الحياة بأسه مثل ما اذاقته بأسها.
إقبال أمي وأبي في انحناءة ظهورهم كسرة لي، فأنا مهما فعلت لا أوفيهم حقهم، وهأنذا حسبي من الدنيا ابتسامة مبسمهم ورضاهم يُسَّمح لي الطريق.

أضف تعليق