في هذا العالم المعاصر الغارق في لجج الاستهلاكية والفردانية والعلاقات السائلة وشعارات الحرية أين ما وليت وجهك ترى العالم في دأبه يتحرك بعجل مسرعاً محاولاً اللحاق بعجلة الحداثة، ولكن على ماذا الركض؟
لا أعلم ولكنه عالم ليس لديه الوقت الكافي للتأني وتُبصِر كلُّ من حولك ” كلٍ في فلكٍ يسبحون”
فالوالدين في حركة مستمرة من شروق الشمس الى غروبها خارج المنزل لِيأمنوا لقمة العيش لأطفالهم بالَّرغم من أنهم لا يعودوا الى أطفالهم إلا في ساعات متأخرة من الليل مرهقين متعبين لا يسعهم الوقت بالجلوس معهم ولم يصل الامر الى هذا الحد فالوالدين ليس لديهم الوقت للسكن والمودة والرحمة بينهم لا يعلم أحدهم ماذا يحصل للآخر فالكل متعب مكتفي متكىء على وظيفته وراتبه يبذلون جهدهم بإرضاء مدرائهم ومرؤوسيهم ونسوا أنفسهم وذلك ليأمنو لقمة العيش! بزعمهم ولكنهم في واقع الأمر لكي لا تتخطاهم عجلة الحداثة.
الاطفال! كان الله في عونهم لا يعلمون مَن أُمهم مِن أباهم لولا يفندون، العاملين والعاملات معهم من بداية يومهم الى نهايته ليجد الاطفال ما يسد رمق جوعهم وما يسد ثغرة عدم وجود الوالدين، ولو انها ثغرة كبيرة لا تُسد وان سدّت تُسَّد بخسائر كبيرة من القيم واللغة والثقافة.
الصداقة السائلة، الزواج السائل والحياة السائلة وقس ذلك على باقي العلاقات.
عموما ليس هذا ما كنت أنوي الحديث عنه وأخط قلمي لأجله ولا ادري ما الذي ساقني له ، لعله ضجري من نفسي التي كم حاولت جاهدة لترويضها ولم أستطع، إذ أنها حالها حال بني جلدتها تركض ولا تدري لماذا وما غايتها فأنا دأبي أيضا في حركة مستمرة وأغرق في لجج لا أدري عنها، وكلما قلَّ الوعي زلقت رِجلُ ابن ادم وضاقت أُفُقَه وبصيرته، فبت أرقب فلان وعلاّن كلما امتلكت مادة ضعفت نفسي وأردت المزيد في غير حاجة، واذا لم تتحقق بغيتي أرتئيت بأن الابواب غُلِّقت واني الشخص الوحيد البارح مكانه وأن العجلة تخطتني.
أن تحلم في زمن السرعة أردت ان يتحقق الحلم بسرعة ولم تُطِق صبراً، وما أن يتحقق تَسْكُن نفسُك وتضجر ولم تلبِث إلا أن تجد حِلماً آخر تُرجع فيه شغف نفسك، وما أن يتحقق حتى تسكن وتضجر مرة أخرى، تجابه الحياة بقلب هش ونفسٍ هشة الفشل في نظرك نهاية الدنيا.
” يقول ثيودر زورون استاذ التواصل المؤسسي بجامعة نورث كارولينا: (إننا جيل نقدس التغيير، ننفق عشرات الثواني والدقائق والساعات في هوس البحث الدائم عما هو جديد، صرنا كائنات تعبد السرعة: القهوة الفورية، الحميمية الفورية، الفيديو الفوري، الاشباع الفوري لاحتياجاتنا، نريد أن ننجز كل شي في اسرع وقت، هذه الحالة من التغير المستمر أصبحت هوسا لدينا: هوس التصفح عن الجديد، هوس البحث عن الاثارة، هوس السخرية من كل شي من اجل اضافة لمسة جديدة هوس السفر وتغير بلد الاقامة ……. الخ”
وبعد ؟!
وماذا إن تخطتنا عجلة الحياة؟
لا بأس ذلك أنفع وأنجى، تنال من الحياة لذتها ومعناها رويدا رويدا، تذوق طعم السكينة وتحصون النعم رويدا رويدا ، تتعلمون معنى الصبر ومجابهة الصعاب رويدا رويدا، تتشافون من صخب الحياة رويدا رويدا وتقوون هشاشة النفس وترومون ترويضها على الصبر والاستعانة بالله رويدا رويدا.
يستحضرني منظر العاملة تعمل بالسنين ليل نهار لا يسمح لها بإجازة الا اذا قدَّر الله وسمح لها ربُّ العمل، ماهو متنفسها؟ وكيف تستطيع الابتسامة في كل يوم، هل يملكون من الصبر مالا نملكه؟ أم اننا اعتدنا الترف حتى افقدتنا لذة النعم؟
عامل النظافة في الشوارع يتفصد عرقاً في جمرة القيظ وما أن تراه ترتسم ابتسامة على شفتين مطبقتين لم تبس بتذمر، هل يملكون من الصبر مالا نملكه؟ أم اننا اعتدنا الترف حتى افقدتنا لذة النعم؟
السجين في سجنه والمريض في مرضه والرجل في الحرب يتقصى قطرة الماء ليروي بها عطش من تبقى من عائلته، هل يملكون من الصبر ما لا نملكه؟ ام اننا اعتدنا الترف حتى افقدتنا لذة النعم؟!
يقول عبدالعزيز الطريفي: ”في أزمنة الإضطراب وكثرة الحوادث والنوازل، والفتن المتسارعة: تضطرب النفوس وتنجذب إلى تلك النوازل، حتى يشُقَّ على العقل العلم والعمل، وتحتاج العقول إلى مجاهدة النفس مجاهدةً شديدةً قوية تدفعها إلى العلم والعمل، وفي هذا جاء الحديث أن العبادات في مثل هذه الأزمنة أعظم أجراً وأكثر ثواباً قال صلى الله عليه وسلم:
”العبادة في الهرجِ كهجرةٍ إليَّ.”
والهرجُ هو: كثرةُ الفتن الموجبةِ للتقاتل بين الناس، وحينا تسلبُ النفوس من العقول وعيها ويقظتها.”

أضف تعليق